كتبه : أ.د. محمد السعيد أبوحلاوة ـ أستاذ الصحة النفسية ـ جامعة دمنهور ـ مصر
استكمالًا لما تناوله الجزء الأول حول مفهوم [ علم النفس الإيجابي وجذورة التاريخية]. ، وركائزه وأعمدته ، نواصل في هذا الجزء تناول أبرز نماذجه ومكوناته، ومجالات اهتمامه، وتطوره، إلى جانب أهم التحديات والانتقادات التي واجهها، في إطار كونه مجالًا علميًا منضبطًا يندرج ضمن علم النفس الحديث، ويحظى باهتمام
رابعاً : نموذج بيرما ومكونات الهناء في الحياة
يقدم علم النفس الإيجابي نموذج PERMA باعتباره من النماذج الأساسية في توضيح ماهية الهناء في الحياة، والتأكيد على أن السعادة وحدها لا تكفي لتحقيق حياة مثمرة ومفعمة بالإنجاز.
ويتكون نموذج بيرما من خمسة مكونات أساسية:
1. الانفعالات الإيجابية (Positive Emotions):
وتشمل الخبرات والانفعالات الإيجابية مثل السعادة، والبهجة، والتطلع والطموح.
2. الاندماج الإيجابي في الحياة (Engagement):
ويرتبط بالانخراط الإيجابي في الخبرات الحياتية، والوصول إلى حالة من التدفق التلقائي الإيجابي في الحياة.
3. العلاقات الإيجابية (Positive Relationships):
وتشير إلى أهمية العلاقات الإنسانية الإيجابية باعتبارها أحد المكونات الأساسية للهناء والازدهار في الحياة.
4. المعنى (Meaning):
ويرتبط بإدراك الإنسان للمعنى والقيمة والغاية في حياته.
5. الإنجاز (Accomplishment):
ويشير إلى تحقيق الأهداف والإنجازات التي تسهم في بناء حياة أكثر إثمارًا وازدهارًا.
وعليه، فإن علم النفس الإيجابي لا يختزل الحياة الجيدة في الشعور بالسعادة فقط، وإنما ينظر إلى الهناء باعتباره بناءً متكاملاً تتفاعل داخله مجموعة من الأبعاد الإيجابية.
[مركز علم النفس الإيجابي بجامعة بنسلفانيا]
خامساً : ما الذي يركز عليه علم النفس الإيجابي؟
وبذلك لم يعد المقصود هو مجرد جعل الإنسان أكثر سعادة، وإنما مساعدته على بناء حياة أكثر ازدهارًا، ومعنى، وإنجازًا، وارتباطًا إيجابيًا بالآخرين.
سادساً : من السعادة إلى الهناء والازدهار
في بدايات طرحه لعلم النفس الإيجابي، اعتقد مارتين سليجمان أن *السعادة* تمثل الموضوع الجوهري لهذا المجال، وأن الهدف المركزي هو زيادة رضا الإنسان عن الحياة.
إلا أن الإفراط في استخدام مفهوم السعادة جعله، من وجهة نظر سليجمان، مفهومًا واسعًا إلى درجة فقد معها دقته.
ومن هنا انتقل التركيز إلى مفهوم الهناء في الحياة (Well-being)، باعتباره مفهومًا أكثر شمولًا، وأصبح الهدف الأساسي لعلم النفس الإيجابي هو زيادة النماء والارتقاء والازدهار الإنساني (Human Flourishing).
وبذلك لم يعد المقصود هو مجرد جعل الإنسان أكثر سعادة، وإنما مساعدته على بناء حياة أكثر ازدهارًا، ومعنى، وإنجازًا، وارتباطًا إيجابيًا بالآخرين.
سابعاً : تطور علم النفس الإيجابي وانتشاره
ثامناً : علم النفس الإيجابي في مواجهة الأزمات
شهد علم النفس الإيجابي انتشارًا واسعًا، وارتبط اهتمام عدد من الباحثين به بمحاولة فهم ما الذي يجعل حياة الناس أكثر سعادة ورضا، وما الجوانب التي يمكن تحسينها.
كما يرى عدد من الباحثين أن هذا المجال يمتلك إمكانات مهمة في مواجهة المشكلات والمآزق المتزايدة في المجتمعات المعاصرة، من خلال الاهتمام بمكامن القوة والصمود والقدرات الإيجابية لدى الإنسان.
ولا يعني ذلك تجاهل المعاناة أو إنكار المشكلات، وإنما النظر إلى الإنسان باعتباره يمتلك، إلى جانب نقاط الضعف، إمكانات ومكامن قوة يمكن تنميتها والاستفادة منها في مواجهة ظروف الحياة.
تاسعاً : الانتقادات والتحديات التي واجهت علم النفس الإيجابي
رغم الانتشار الواسع لعلم النفس الإيجابي، فقد واجه عددًا من التحديات والانتقادات العلمية، ومن أبرزها:
1. إشكالية التسمية:
طُرح تساؤل حول ما إذا كان إطلاق اسم “علم النفس الإيجابي” يوحي ضمنيًا بأن بقية فروع علم النفس تمثل علمًا سلبيًا، وهو ما أثار نقاشًا حول طبيعة التسمية وحدودها.
2. الإطار النظري:
وُجهت انتقادات إلى المجال تتعلق بمدى كفاية إطاره المرجعي النظري لدراسة موضوعات معقدة مثل مكامن القوة، والفضائل، والسعادة.
3. التحدي الثقافي:
رأى بعض النقاد أن علم النفس الإيجابي قد يتأثر بملامح المجتمع الأمريكي ذي النزعة الفردية، بما قد يحد من قدرته على تمثيل التنوع الثقافي بصورة كافية.
4. تحديد ما هو إيجابي:
من أكبر التحديات التي تواجه المجال تحديد معنى “الإيجابي” بصورة دقيقة؛ إذ قد يكون وصف شيء بأنه جيد مختلفًا عن إثبات كونه جيدًا بالفعل وفي الواقع.
ومع ذلك، ظل علم النفس الإيجابي يتطور باعتباره مجالًا داخل علم النفس العام، مع استمرار البحث في أبعاده النظرية والتطبيقية.
عاشراً : ما الذي لا يعنيه علم النفس الإيجابي؟
لا يعني علم النفس الإيجابي تجاهل المعاناة الإنسانية، أو إنكار الاضطرابات النفسية، أو مطالبة الإنسان بأن يكون سعيدًا طوال الوقت.
كما أنه لا يهدف إلى استبدال علم النفس التقليدي، ولا يمثل ما أطلق عليه مارتين سليجمان “علم السعادة” (Happyology)
بل يسعى إلى توسيع نطاق الاهتمام النفسي ليشمل، إلى جانب فهم الاضطرابات ومظاهر القصور، دراسة وتنمية الهناء في الحياة، والإمكانات البشرية الإيجابية، والصمود الإنساني.
خاتمة
يمكن النظر إلى علم النفس الإيجابي باعتباره توجهًا علميًا يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن داخل علم النفس؛ فلا يكتفي بدراسة ما يسبب المعاناة أو الخلل، وإنما يهتم أيضًا بفهم ما يساعد الإنسان على النمو والازدهار.
ومن خلال دراسة الانفعالات الإيجابية، والسمات ومكامن القوة، والعلاقات، والمعنى، والإنجاز، يسعى هذا المجال إلى فهم العوامل التي تمكن الأفراد من بناء حياة أكثر ثراءً وهناءً، مع التأكيد على أن الحياة الإيجابية لا تعني غياب الشدائد، وإنما القدرة على مواجهتها والاستمرار في النمو والازدهار.
🌱 هل أنت مستعد لتنمية مكامن قوتك والارتقاء بجودة حياتك؟
انضم الآن مجاناً إلى مجتمع “مساحة وعي” على الواتساب، لتصلك أحدث الإصدارات والمقالات النفسية، الدعوات المجانية لورش العمل المباشرة، وخصومات حصرية على برامج أكاديمية الخبراء الدولية.

